محمد الغزالي

354

فقه السيرة ( الغزالي )

عشائرهم وبطونهم ليتناصروا في الحرب والسلم على ما يهوى السادة . فإذا كثر في أولئك الحاكمين من يوصف بالأحمق المطاع ، وإذا اشتغل أولئك الحمقى بالكرّ والفرّ على نحو ما قال دريد بن الصمة : يغار علينا واترين فيشتفى * بنا إن أصبنا ، أو نغير على وتر ! قسمنا بذاك الدّهر شطرين بيننا * فما ينقضي إلّا ونحن على شطر ! أفترى أنّ الدّعاة يسيرون عزّلا في هذه البيئة التي تخطف الأموال والعقائد ؟ . إنّ العمل على توطيد الأمن شيء غير إكراه الناس على الإيمان ، هدف الأول إقصاء الضغط والفتنة عن المجتمع ، حتى إذا امن فرد في قبيل لم يجد من يصبّ عليه سوط عذاب . أما الاخر فيريد بالسوط أن يحمل الناس على عقيدة معينة . والسرايا التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يسيّرها إلى كلّ فج كانت تحمل معها كلام اللّه لتقرأ منه : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 49 ) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 50 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 51 ) [ الحج ] . فالسعي لمعاجزة الآيات أمر خطير ، ولو كانت معاجزة باللسان ما اكترث لها أحد ، فهيهات أن تغلب الخرافة الحقّ في معرض جدل حر ، إنّها معاجزة بالسوط والقهر : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا . . . [ الحج : 72 ] . فإذا تأهّب التالي حتى لا يروح ضحيّة هذا السّطو ، فهو يؤدي واجبه ، وإذا سخّرت القوة لتطهير الحياة من أسباب هذا السطو ، فأيّ غبار على هذا العمل ؟ . وقد مضى المسلمون في نشر الدعوة داخل جزيرة العرب على ذلك الأساس العادل ، ومنذ أمضوا عهد الحديبية ، وهم دائبون على البلاغ والتبصرة ، ولذلك نجحوا نجاحا ملحوظا في هذا المضمار ، فدخلت قبائل كثيرة في عهداهم ، على حين انصرفت جموع الأعراب عن قريش ، فلم يدخل في عهداهم أحد ،